المقريزي
725
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
قال الأستاذ عبد الكريم أبو القاسم بن هوازن القشيري ، رحمه اللّه : اعلموا أنّ المسلمين بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لم يتسمّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى « صحبة رسول اللّه » صلى اللّه عليه وسلم ، إذ لا فضيلة فوقها ، فقيل لهم « الصّحابة » . ولمّا أدرك أهل العصر الثّاني ، سمّي من صحب الصّحابة « التّابعين » ، ورأوا ذلك أشرف سمة ، ثم قيل لمن بعدهم « أتباع التّابعين » . ثم اختلف الناس وتباينت المراتب ، فقيل لخواصّ خواصّ الناس ممّن لهم شدّة عناية بأمر الدّين « الزّهّاد » و « العبّاد » . ثم ظهرت البدع ، وحصل التّداعي بين الفرق ، فكلّ فريق ادّعوا أنّ فيهم زهّادا . فانفرد خواصّ أهل السّنّة - المراعون أنفسهم مع اللّه ، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة - باسم « التّصوّف » ، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة « 1 » . قال : وهذه التّسمية غلبت على هذه الطائفة . فيقال : « رجل صوفيّ » ، وللجماعة : « الصّوفيّة » ، ومن يتوصّل إلى ذلك يقال له : « متصوّف » ، وللجماعة : « المتصوّفة » . وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق ، والأظهر فيه أنّه كاللقب . فأمّا قول من قال إنّه من الصّوف ، وتصوّف ، إذا لبس الصّوف - كما يقال تقمّص ، إذا لبس القميص - فذلك وجه ، ولكنّ القوم لم يختصّوا بلبس الصّوف . ومن قال إنّهم ينسبون إلى صفّة مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فالنسبة إلى الصّفّة لا تجيء على نحو الصّوفي . ومن قال إنّه من الصّفاء ، فاشتقاق الصّوفي من الصّفاء بعيد في مقتضى اللغة . وقول من قال إنّه مشتقّ من الصّفّ ، فكأنّهم في الصّفّ الأوّل بقلوبهم من حيث المحاضرة مع اللّه تعالى ، فالمعنى صحيح لكن اللغة لا تقتضي هذه النسبة من الصّفّ . ثم إنّ هذه الطائفة أشهر من أن يحتاج في تعيينهم إلى قياس لفظ واستحقاق اشتقاق « 2 » ، واللّه أعلم . وقال الشّيخ شهاب الدّين أبو حفص عمر بن محمد السّهروردي ، رحمه اللّه : والصّوفيّ يضع الأشياء في مواضعها ، ويدير الأوقات والأحوال كلّها . بالعلم يقيم الخلق مقامهم ، ويقيم أمر الحقّ مقامه ، ويستر ما ينبغي أن يستر ، ويظهر ما ينبغي أن يظهر ، ويأتي بالأمور من مواضعها بحضور عقل ، وصحّة توحيد ، وكمال معرفة ، ورعاية صدق وإخلاص . فقوم من المفتونين لبسوا ألبسة الصّوفيّة لينسبوا إليهم ، وما هم منهم بشيء ، بل هم في غرور وغلط يتستّرون بلبسة الصّوفية توقّيا تارة ودعوى أخرى ، وينتهجون مناهج أهل الإباحة ،
--> ( 1 ) القشيري : الرسالة القشيرية 389 . ( 2 ) نفسه 279 .